עברית

نتصدى لاتفافية "تيسا" الآن!

في غرفة مغلقة بالعاصمة جنيف يدير مسؤولون حكوميون إسرائيليون مفاوضات مكثّفة حول اتفاقية تجارية دولية يُطلق عليها اسم "تيسا"، ستؤثر حتمًا على حياتنا جميعًا: الاخبار التي نسمعها، الكهرباء، تأمين الشيخوخة وحتى جمع النفايات في الحي. ولكن لا احد يسأل عن رأينا حول الاتفاقية وحتى الكنيست غير ملزمة بالموافقة عليه!

سوف تستأنف المحادثات قريبًا ، وفي حال لم نتحرك الآن ، سوف تقرر الشركات الكبرى مستقبلنا ومستقبل أولادنا.

رغم تصريح صادر عن وزارة الاقتصاد الإسرائيلية يشيد بأهمية الاتفاقية، تكشف تسريبات من المباحثات عن اتفاق غير ديمقراطي، يمكن أن يُستغلّ من قبل شركات كبرى متعددة الجنسية لضمان حرية نشاطها وإحكام سيطرتها على المرافق الاقتصادية في إسرائيل، اذ تمنحها الاتقاقية حصانة من القوانين والرقابة، وبالتالي الدوس على المصلحة العامة.

على الرغم من ذلك، فإن الكنيست باقٍ خارج الغرفة، والجمهور في إسرائيل يجهل الأمر والإعلام غير مهتمّ.  ولكن الآن، تغير الوضع.

نضع بين أيديكن/م التقرير الكامل لصندوق الأبحاث،  وهي المنظّمة الأم  للإعلام المستقل في إسرائيل، والممولة من تبرعات الجمهور. كتب التقرير عيران هيلدزهايم.  


 ماذا يمكن ان نتعلم من الكنديين؟

كل ما أرادته الحكومة الكندية هو الحفاظ على صحة المواطنين، علمًا أن برنامجها الانتخابي الذي أوصلها للحكم تضمّن وعودًا صريحة بالاهتمام بجودة البيئة ومكافحة تلوّث الهواء. من هنا، بدا سنّ قانون ضد مُضاف الوقود MMT، الذي يعتبر سمًّا عصبيًّا قويًّا، خطوة في الاتجاه الصحيح. فقد تمّ تشخيص العنصر المعدني الكامن في هذا المضاف، كمسبِّب محتمل لمرض البركنسون، وربط علماء بينه وبين أمراض مختلفة أخرى. للمضاف تأثيرات سلبية على كافة الكائنات الحية، وهو معروف كملوِّث، كما أن له بدائل غير باهظة الثمن. وقد حظرت دول أخرى استعماله وصرّح بعض شركات إنتاج السيارات الكبرى عن وقف استعماله.

ويفرض القانون الذي سنّه البرلمان الكندي قيودًا على استيراد ونقل المضاف. ولكن هذا القانون كلّف الدولة ثمنًا باهظًا. الشركة الامريكية "أثيل" التي تعتبر المتعهّدة الوحيدة لتزويد مادة الMMT في كندا، قدّم دعوى ضد الحكومة بقيمة خيالية تعادل 350 مليون دولار كندي. وكان المفروض أن يتم النظر في الدعوى ليس في الجهاز القضائي الكندي، بل في إطار الجهاز لتسوية النزاعات المنبثق عن الاتفاقية التجارية التي وقّعت عليها كندا قبل سنوات معدودة. تمنح الاتفاقية للشركات المتعدّدة الجنسية حقا لفيتو مقابل السياسات الحكومية. وهكذا، أدّى الخوف من الخسارة المادية الثقيلة إلى خضوع الحكومة الكندية السريع والمذلّ: فقد توصّلت إلى تسوية مع الشركة الأمريكية تنصّ على إلغاء القانون وتعويض الشركة بمبلغ 19.5 مليون دولار كندي. وليس هذا فحسب، بل التزمت الحكومة بنشر إعلان بأنّ المضاف ليس خطيرًا على الإطلاق. عن هذا جاء في "تورنتو ستار": "في فصل غرائبي من فصول تاريخ كندا، تقوم شركة نفط من فيرجينيا بإلغاء قانون صادق عليه البرلمان".

بعد عدة سنوات: تقوم دولة إسرائيل بخصخصة خدمات المياه وبيعها للشركة الأجنبية "برايت ووتر" (مياه صافية). رغم الاسم الواعد، شكا سكان السهل الساحلي من أن المياه التي تتدفّق من حنفياتهم تتعكّر شيئًا فشيئًا. خلال سنة واحدة انتشر تعكّر المياه في كل أنحاء البلاد. واكتشف باحثون في وزارة الصحة بان الشركة الأجنبية قد عمدت، بهدف التوفير في النفقات، إلى تغيير سياسة صيانة أنابيب المياه. وأوصت اللجنة الحكومية بإعادة تأميم خدمات المياه. وحدّد رئيس الحكومة في مؤتمر صحافي دراماتيكي بأن "من حقّ مواطني إسرائيل الحصول على مياه نظيفة".

غير أن شركة "برايت ووتر" لم تعتزم الرحيل بهذه السرعة. وادّعى مندوبون عن الشركة بأن التعكر هو خلل جماليّ فقط ولم يُثبت بشكل قاطع أنه يشكّل خطرًا صحيًّا. وهدّدت الشركة الأجنبية بتقديم دعوى بقيمة 4 مليارات دولار في المحكمة الدولية المنبثقة عن الاتفاقية التجارية التي وقّعتها إسرائيل قبل مدة زمنية قصيرة. خلال أسبوعين أعلن المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيلي عن بقاء الخصخصة على ما هي عليه. وقامت دائرة النشر الحكومية على مدار السنة، ببثّ دعايات رسمية في الإذاعة والتلفزيون، تشرح بأن تعكّر الماء هو خلل جماليّ فحسب، وأنه لا دليل على أنه يشكّل خطرًا صحيًّا. ونُشرت في الصحف صورة لوزير الصحة وهو يتجرّع كأسًا من الماء الموحل. في تلك الفترة ارتفعت أسهم شركات المياه المعدنية بمئات النسب المئوية.

الحالة الأولى أعلاه حدثت بالفعل. الكابوس الكبير لحكومة جان كرتين  وقع في عام 1997، عندما أجبره الاتفاقية التجارية "نافتا" (NAFTA) على الخنوع المذلّ أمام الشركة الأمريكية التي أسّسها كلّ من شركة جنرال موتورز واكسون موبايل، في مطلع القرن العشرين. أما الحالة الثانية فلا تزال خيالية، ولكن من الممكن أن تتحوّل إلى كابوس مروّع لنا جميعًا في حال صادقت الحكومة الإسرائيلية على اتفاق مماثل لذلك الذي وقّعه الكنديّون مع الشركات المتعدّدة الجنسية الكبرى في التسعينات.

المباحثات حول "تيسا" (TiSA)، اتفاقية الخدمات الدولية التي من المفترض أن تستبدل اتفاقية "جاتس"، لا تزال مستمرة منذ ثلاث سنوات على الأقلّ – ولا يزال هناك خلاف حول تاريخ بدء المباحثات، حتى بين المفاوضين أنفسهم – وتقترب من مرحلة وضع اللمسات الأخيرة. اتفاقية الخدمات الدولية، الموازية للاتفاقيات التجارية الدولية الكبرى، تجمع معظم الاقتصادات الكبرى في العالم – ما عدا الصين وروسيا – ومن المتوقّع أن يتم التوقيع عليها حتى نهاية العام. هناك ما يقارب الخمسين دولة التي من المتوقّع أن تشارك في الاتفاقية، ما يضاهي حوالي 70% من إجمالي التجارية العالمية في مجال الخدمات. بالنسبة لإسرائيلي يجري الحديث عن اتفاقية هامة، علمًا أن تصدير الخدمات يشكّل ثلث الصادرات المحلية في إسرائيل.      

خطورة الاتفاقية في سريتها

في هذه الأيام تمامًا يجلس مسؤولو وزارة الاقتصاد مع مندوبين عن دول أجنبية وشركات دولية في غرفة مغلقة في العاصمة السويسرية، جنيف، ويتباحثون في شأن انضمام إسرائيل إلى "تيسا". في هذه الغرفة من المتوقع أن يتم التوقيع حتى نهاية هذا العام على واحدة من أخطر الاتفاقيات التجارية العالمية التي وقّعت عليها إسرائيل، ولكن مع هذا من غير الواضح من لديه علم بمضمون المباحثات بالضبط. فالجلسات تنعقد بعيدا عن عدسات الكاميرات، والإعلام غير مهتمّ إطلاقًا مما يخلق تعتيما يمنع الجمهور من معرفة ما يحدث.

ليس الجمهور وحده من يجهل تفاصيل الاتفاقية، بل أعضاء الكنيست أيضًا لا يحظون بالاطلاع عليها. بعضهم حتى لا يعرف بوجودها أصلاً. المرة الأولى التي سيُسمَح لهم فيها برؤية الاتفاقية ستكون قبل 12 يومًا فقط من تاريخ مصادقة الحكومة عليها – وحتى هذا سيكون فقط لغرض قراءتها واستجواب وزير الاقتصاد بشأنها. كما أن هذه الاتفاقية لن تُعرَض أبدًا على الكنيست للمصادقة عليها. وليس هذا فحسب، بل ورغم الخطر الكامن في الاتفاقية على استقلالية السياسة الحكومية، وإمكانية التعرّض لمخاطر مالية كبيرة والانتهاك السافر المحتمل لسيادة القضاء الإسرائيلي – فمن شبه المستحيل إلغاء اتفاقيات من نوع "تيسا" بعد المصادقة عليها.

الشركات الكبرى  تسيطر على الحكومات

تنطوي اتفاقيات التجارية العالمية على أهمية عليا خاصة في عالم تحوّل منذ زمن إلى قرية عالمية كبيرة واحدة. أعداد هذه الاتفاقيات الموقعة بين دول مختلفة في ارتفاع مستمر، خاصة في السنوات الأخيرة. تنظّم الاتفاقيات مسألة إزالة الحواجز أمام التجارة الدولية، وتسهّل على حركة البضائع والخدمات من دولة لأخرى، ومن المفترض أن تتيح لمواطني هذه الدول الاستفادة من امتيازات العولمة ومستوى المعيشة المرتفع والثروة الموعودة. ولكن التسريبات من المباحثات الجارية حول اتفاقية "تيسا" تثير القلق من احتمال تهميش مصالح المواطنين لصالح الشركات المتعددة الجنسية والمس بالتالي بسيادة الدول.

إذا تمّ التوقيع على الاتفاقية بالصيغة التي تبدو من التسريبات، قد نستفيق لنجد أنفسنا في زمن تصبح فيه الحكومات الإسرائيلية مقيّدة جدًّا في قدرتها على مراقبة نشاط الشركات المتعدّدة الجنسية في الدولة. كل قانون أو قاعدة يمكن أن تتحوّل إلى حجّة بيد الشركات لتقديم دعوى ضد الدولة في المحكمة الدولية. كما سيتمّ فرض قيود صارمة على قدرة الحكومات على استعادة سيطرتها على الخدمات العامة التي تمّت خصخصتها، حتى لو اتضح فشل الخصخصة. غير أن هذه ليست الأبعاد المحتملة الوحيدة للتوقيع على اتفاقية دون رقابة جماهيرية. رغم التكتّم على ما يجري داخل غرفة المباحثات في جنيف، فإن مستندات ويكيليكس، وتسريبات أخرى، وتحليلات مختصّين والتجربة المتراكمة من الاتفاقيات السابقة، تشير جميعها إلى حجم وشدّة ارتهان إسرائيل لتيسا، إذا تمّت المصادقة على الصيغة التي تضمن مصالح الشركات المتعدّدة الجنسية.

على سبيل المثال، في مجال الطاقة: سيؤدي تضمين مبدأ الحيادية إلى توقّف إسرائيل عن تفضيل استعمال الطاقة المتجدّدة محل الفحم والوقود والنفط؛ في المجال المالي، يتم في جنيف بحث مسألة إضعاف الرقابة بشكل ملموس، رغم أن هذه الرقابة كانت من أهم العوامل التي أنقذت إسرائيل من الأضرار الجسيمة التي كانت للأزمة الاقتصادية عام 2008؛ في مجال الإعلام، هناك احتمال أن تضطر إسرائيل إلى السماح لأصحاب المليارات الأجانب بالسيطرة على قنوات بثّ محلية دون أية قيود؛ الاتفاقية التي يجري بحثها قد تشكّل خطرًا كبيرًا على خصوصية الفرد في الشبكة بسبب الحرية الكبيرة التي تهدّد بمنحها لشركات الانترنت الكبرى للتجارة بالمعلومات الشخصية الخاصة بمستعملي الانترنت، ولشركات البنية التحتية لمنح الأولوية لاستخدام الانترنت مقابل أجر.

يتضح إذن سبب حماسة الشركات الكبرى لتأييد الاتفاقية. ومما جاء في موقع الانترنت الخاص بالموضوع الذي أسسته الشركات المتعددة الجنسية تحت اسم "طاقم تيسا" (Team Tisa): "إن قطاع الخدمات هو أكثر القطاعات نموًّا في الاقتصاد العالمي وهو مسؤول عن ثلثي الإنتاج العالمي، وثلث التشغيل العالمي وتقريبا 20 بالمئة من التجارة العالمية. تتيح اتفاقية تيسا الفرصة لتوسيع التجارة في الخدمات في أكثر من 50 دولة. التوسيع المحتمل الذي تعد به تيسا لن يفيد النمو العالمي فحسب، بل النموّ داخل الولايات المتحدة أيضًا".

وردت الامتيازات المختلفة للاتفاقيات في المنشورات الرسمية لوزارة التجارة الأمريكية والمفوضية الأوروبية ووزارة الاقتصاد الإسرائيلية التي تعمل في هذا الصدد بالتعاون مع الوزارات والمراقبين ذوي الصلة بالموضوع في البلاد. نير بنرجا، رئيس قسم العلاقات التجارية في وزارة الاقتصاد، يمثّل الدولة في المفاوضات نحو التوقيع على الاتفاقية والتي تشتمل على 20 موضوعًا في مجالات التجارة المختلفة.

تهدف اتفاقية تيسا، كما جاء في الإعلان القصير الصادر عن برنجا، إلى "خلق بنية تحتية محدّثة ومتعددة الجنسية للتجارة بالخدمات". التطورات التكنولوجية "غيّرت تمامًا شكل التجارة العالمية بشكل عام والتجارة بالخدمات بشكل خاص"، و"هذه التغييرات تتطلّب تحديث منظومة قواعد التجارة العالمية".

وأضاف برنجا أن المباحثات الدائرة في جنيف تتناول مسألة "إزالة الحواجز أمام مصدِّري الخدمات بهدف تسهيل وصولهم لأسواق عديدة ومتنوّعة"، و"منع التمييز ضد متعهّدي الخدمات الأجانب". كما جاء في الإعلان أن "إحدى النتائج الجيدة للمفاوضات ستسمح لمصدِّري الخدمات بالاستفادة من أفضلية في التجارة بالخدمات مع شريكات تجارية عريقة وحديثة، مثل: أستراليا، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، تركيا، اليابان وكندا، وكذلك مع تايوان، تشيلي، كولومبيا، كوريا الجنوبية وغيرها. تشكّل التجارة بين هذه الدول أكثر من 70% من مجمل التجارة العالمية في الخدمات، وفرصة غير مسبوقة لتحسين البنى التحتية للتجارة العالمية لمتعهّدي الخدمات الإسرائيليين في اتفاقية واحدة".

بالمقابل يقول أمنون بورتوغلي، الباحث في مجال اتفاقيات التجارة العالمية من قبل معهد الدراسات فان لير: "هذه هي الصورة المثالية لتيسا التي تظهرها لنا الحكومات والشركات المتعددة الجنسية. غير أن الواقع مختلف تمامًا. لدى الخوض في التفاصيل وقراءة المستندات التي سُرّبت في ويكيليكس، وتحليل هذه المستندات، فإننا نرى صورة مغايرة تمامًا: اتفاقية كل جوهرها هو استيلاء الشركات المتعددة الجنسية الكبرى على الديمقراطيات الكبرى. اتفاقية التجارة هي عمليا وثيقة معارضة للديمقراطية، تتيح للشركات الكبرى استعمال اتفاقية تجارية تحدّدت مبادئها في مفاوضات سرّية، لضمان حرية نشاطها، وعمليًّا إحكام سيطرتها على العالم".

بورتوغلي ليس الوحيد الذي يتمسّك بهذا الموقف. دانيئل برتوسا، المسؤول في منظّمة التجارة العالمية PSI، الذي يمثّل 669 منظّمة مهنيّة في أرجاء العالم، قال مؤخّرا في مقابلة لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية إنه: "على كل من يهمّه الحفاظ على الديمقراطية أن يقلق إزاء اتفاقية تيسا التي تدور المفاوضات حولها في السرّ. ستشطب الاتفاقية جوانب خطيرة من السيادة الوطنية". حسب أقواله، الاتفاقية هي "جزء من مبادرة راديكالية لتقييد الحق السيادي المكفول للحكومات لإجراء رقابة، وذلك خدمةً لمصالح الشركات المتعدّدة الجنسية الأجنبية".

وفي دول الخارج، عمّ نقد مماثل أوساط الجماهير الواسعة وتحوّل الأمر إلى عنصر مؤثر في تغييرات زعزعت العالم. على سبيل المثال، كان أحد أسباب تأييد  الكثير من البريطانيين للاقتراح الخطير بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي (بركزيت)، هو معارضتهم لاتفاق التجارة الدولي TTIP – وهو الاتفاق المكمِّل لاتفاقية "تيسا" وأحد ثلاثة اتفاقات تجارية دولية، معروفة باسم T" الكبرى".

كما أظهر التحقيق الموسّع الذي أجراه المستشار والباحث الشهير، ستنلي جرينبرغ، بالتعاون مع معهد روزفلت، أن اتفاقيات التجارة هي بين المصادر الرئيسية لعدم رضا جزء قسم من الشعب الأمريكي. وقد كانت اتفاقيات التجارة الدولية من أهم المواضيع الرئيسية التي طرحت في الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية، وساهمت المعارضة لها بانتخاب دونالد ترامب الذي تعهّد ب"تمزيق هذه الاتفاقيات إربًا".

معارضة شديدة في العالم

في ألمانيا خرج 300 ألف مواطن لشوارع برلين وميونخ للتظاهر ضد الاتفاقية وفي هذه المرحلة نجحوا في تجميد المصادقة عليها. كما تظاهر عدد مشابه في الصيف الأخير في شوارع العاصمة الفرنسية باريس. ولم يقتصر التحرّك على المواطنين فحسب، بل قام البرلمان في إقليم فلونيا في بلجيكا بتجميد اتفاقية "تيسا" واتفاقية أخرى مكمِّلة لها، إلى حين الاستجابة لمطالبه الالتزام بحماية العاملين البلجيكيين.

وقد حظي المحتجّون على دعم لمواقفهم من خبراء كبار في مجال الاقتصاد، من امثال الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، جوزيف ستيغليتز الذي كتب في مقال له: "إن قوانين اللعبة يجب أن تتغير من جديد – إجراء كهذا يجب أن يشتمل على أدوات لترويض العولمة. [اتفاقيات التجارة التي يتمّ الترويج لها الآن] هي خطوة في الاتجاه غير الصحيح". نُشر المقال ضمن "project-syndicate" وذلك في آب الأخير، وتمّت ترجمته للعبرية.

خصخصة لا رجعة فيها

لتجسيد الأبعاد المحتملة لاتفاقية "تيسا" بالنسبة للسيادة الإسرائيلية، يكفي العودة إلى ما كان قبل أشهر معدودة: في آذار 2016 حكمت محكمة العدل العليا بإلغاء مشروع اتفاقية الغاز الذي اقترحته الحكومة، وذلك بسبب الفقرة المتعلقة ب"ثبات الرقابة". يذكر أن الحكومة التزمت امام شركات الغاز بعدم إدخال أي تغييرات على الرقابة على مجال الغاز خلال السنوات العشر القادمة. وقد حكمت المحكمة بأن هذا الالتزام غير قانوني. "الفقرة المتعلقة بثبات الرقابة، والتي تلتزم فيها الحكومة أنها ولمدة عشر سنوات لن تسنّ أي قانون بل وستحارب ضد أي محاولة لسنّ قانون ضد تعليمات الاتفاق، لا صلاحية للحكومة في تحديدها ويجب إلغاؤها"، هذا ما كتبه قاضي العليا الياكيم روبنشتاين، وأضاف: "وذلك لأنها تحددت بشكل مخالف للقاعدة الأساسية في القانون الإداري بشأن حظر تقييد واجب السلطة التفكير في الأمور ودراستها. واضح أنه لدى منح أي سلطة صلاحية معينة حسب القانون، فإن مع الصلاحية يأتي الواجب، هو واجب التفكير في الأمور ودراستها". وبكلمات أخرى: ليس من حق الحكومة أن تنقل واجبها التفكير في الأمور للشركة الخاضعة لرقابتها. هذا عن اتفاقية الغاز، ولكن اتفاقية "تيسا" قد تشتمل على فقرة تنص على "ثبات الرقابة" أخطر بكثير، إذ أنها قد تشمل العديد من الشركات المتعددة الجنسية المختلفة، ولن تكون محدودة بفترة زمنية. عمليا، ستمنح هذه الاتفاقية للشركات حصانة من القوانين والرقابة.

"راتشت" (ratchet) هو مصطلح يعني الدولاب المسنّن الذي يمكن أن يلف باتجاه واحد فقط. "راتشت" هو أيضًا اسم بند في اتفاقية "تيسا" دوره أن يضمن بأن العمليات التي ستحرّكها الاتفاقية ستتم باتجاه واحد فقط. حسب ذلك البند، فإن خصخصة خدمة معينة، مثل خدمات المواصلات العامة، الكهرباء، الماء، الصحة أو أية خدمة أخرى، هي أمر لا رجعة فيه. أي أنه حتى إذا قررت الدولة أن الخصخصة كانت عبارة عن فشل ذريع يسبّب أضرارًا جسيمة للمواطنين، فسيكون من المستحيل التراجع عنها وإعادة الدولاب للوراء وإلغاء الخصخصة. أما البند الآخر في الاتفاقية الذي يُطلَق عليه اسم "Standstill"، أي "تجميد الوضع"، فهو يحدّد بأنه بعد دخول "تيسا" حيّز التنفيذ، لن يكون بالإمكان سنّ أي قانون يمنح أولوية للشركات المحلية على الشركات الأجنبية الموازية لها.

يهدّد كلا البندين، "الدولاب المسنّن" و"تجميد الوضع"، بإخصاء قدرة الحكومات المستقبلية على المبادرة إلى إجراءات مختلفة، وسنّ قوانين ووضع تشريعات، كما سيحبطان أية إمكانية لإعادة تأميم الخدمات العامة.

المحكمة العليا م.ض.

كشفت ويكيليكس عن وثيقة للاتحاد الأوروبي من تموز هذا العام، هي عبارة عن مسوّدة لتسوية النزاعات. حسب الاقتراح، سيعمل طواقم من "خبراء في التجارة" كقضاة في النزاعات حول مسألة انتهاك الدول لالتزاماتها في الاتفاقية. "ستُخوّل هذه الطواقم الصلاحية بأن تقرر أنه على حكومات معينة تغيير قوانينها، سياستها أو حتى قراراتها المتعلقة بخدمات مختلفة، وفرض عقوبات اقتصادية خطيرة عليها حتى تنفّذ المطلوب منها"، هذا ما يقوله الخبير في مجال الاتفاقيات التجارية، أمنون بورتوغلي، ويضيف: "في الاقتراح الأوروبي لاتفاقية تيسا لن تكون هناك هيئة للاستئناف، وذلك لأن الولايات المتحدة تعارض ذلك بشدّة، علمًا أن اتفاقيات التجارة الحرة التي وُقّعت مؤخّرًا بين كندا والاتحاد الأوروبي تشتمل على هيئة للاستئناف. النتيجة هي انعدام أية رقابة على طواقم خبراء هيئة التحكيم".

ومع هذا، تعتبر هذه المنظومة أقلّ سوءًا من المنظومة السابقة الخطيرة وغير الديمقراطية التي طالبت الشركات الكبرى بإدخالها للاتفاقية، والمعروفة باسم ISDS، والتي تشكّل اليوم هيئة للدفاع عن الشركات الضخمة من القوانين والرقابة. في إطار ISDS تستطيع الشركات مقاضاة الدول في هيئات قضائية دولية. حسب مسودة الهيئة القضائية التي كشفت عنها ويكيليكس، من حق الدول فقط مقاضاة دول أخرى، على أن يتضمن الإجراء درجة معينة من الشفافية - ولكن القراءة العميقة لمضمون المستندات التي تمّ تسريبها من مباحثات "تيسا"، يبدو أن الشركات الكبرى أبقت لنفسها مجالاً واسعًا لمقاضاة الدول، وفق ما تقترحه منظومة ISDS.

وقد تعرّضت منظومة ISDS إلى انتقادات لاذعة من رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة، جون روبرتس الذي رأى أن منظومة تسوية النزاعات "تمنح محكَّمين خصوصيين، غير منتخبين بالضرورة من قبل الدولة، تمنحهم القوة التي تحتفظ بها الدولة لمحاكمها كما تعطيهم الحق في محاكمة إجراءاتها السيادية".

يقول بورتوغلي: "إنّ الأساس لأية دعوى تقدّمها الشركات المتعدّدة الجنسية في إطار منظومة ISDS يمكن أن يكون سنّ أي قانون أو تشريع أو فرض رقابة تعتبرها الشركات مسًّا باستثماراتها أو أرباحها أو حتى بتوقّعاتها الربحية. ليست هناك أيّة رقابة قضائية على المحكمة الدولية، قراراتها نهائية وملزمة للدول وهي تتضمّن غرامات مالية ضخمة يمكن أن تقود إلى إفلاس الدول التي تُقدَّم بحقها الدعاوى القضائية. نتيجة ذلك، بمقدور المحاكم الدولية هذه عمليًّا أن تمنع سن قوانين وأن تلغي سيادة السلطات التشريعية والبرلمانات وحتى قرارات المحاكم العليا. لا يدور الحديث عن سيناريو رعب خيالي، بل لقد تمّت بالفعل هذه الإجراءات القانونية ضد الحكومة الكندية"، في إشارة إلى المهزلة التي وقعت في التسعينات حول مسألة مضاف الوقود.

ويوضح  بورتوغلي أنه رغم إعلان وزارة الاقتصاد رسميًّا بأن "تيسا" لن تشتمل على منظومة ISDS ، فالمؤكّد أنها لا تزال مطروحة على مائدة المفاوضات: "لا تزال هناك ثغرات في الاتفاقية وسُبُل تتيح للشركات المتعددة الجنسية ولمستثمرين أفراد مقاضاة الدول الموقِّعة على الاتفاقية وفق تلك المنظومة الهدّامة. وفي هذا ما يثير القلق بالنسبة لقطاع الخدمات الحساسة من الناحية الاجتماعية والتي تحتاج إلى درجة عالية من الاستثمار الاقتصادي مثل الطاقة، الأموال، المواصلات والإعلام".   

الأخبار برعاية ادلسون

وبالفعل، أحد المجالات الحسّاسة التي قد تؤثّر "تيسا" عليها بشكل خطير هو مجال الإعلام. في إطار الاتفاقية يطالب الاتحاد الأوروبي دولة إسرائيل بإلغاء القيود المفروضة على هوية أصحاب قنوات التلفزيون التجارية، هذا ما يظهر في الوثيقة السرية التي كشفت عنها ويكيليكس. وقد أكّدت وزارة الاقتصاد مضمون الوثيقة ولكنها رفضت إضافة أية تفاصيل أخرى حوله.

"في إسرائيل اليوم كل من يرغب في فتح قناة تلفزيونية تجارية مثل القناة الثانية أو العاشرة، أو تأسيس شركة تلفزيونية متعدّدة القنوات مثل شركتي HOT أو yes، فعليه استيفاء عدة شروط للحصول على رخصة لذلك. ينصّ أحد هذه الشروط على أن صاحب السيطرة على القناة التلفزيونية يجب أن يكون إسرائيليًّا ومواطنًا إسرائيليًّا وأن الشركة التي يتم بواسطتها تأسيس القناة يجب أن تكون إسرائيلية"، هذا ما يقوله اورن برسيكو، مراسل موقع "هعاين هشبيعيت" (العين السابعة)، العضو في صندوق التحقيقات. ويضيف برسيكو: "لا تنصّ القيود الصارمة اليوم فقط على أن تكون شركة توفير خدمات التلفزيون المتعدّدة القنوات إسرائيلية فحسب، بل أن تُدار أيضًا من قبل إسرائيلي وأن يكون أعضاء الإدارة الكبار فيها بمعظمهم إسرائيليين".

ولم يأت فرض هذه القيود من فراغ. حسب برسيكو، تهدف هذه القيود إلى منع أصحاب رؤوس الأموال الأجانب من تأسيس قنوات بث تلفزيون تجارية ستعمل على تهميش القنوات المحلية وتفرض سيطرتها على الحيّز التلفزيوني في إسرائيل: "رجل الأعمال والمتصدِّق اليهودي شلدون ادلسون، مثلا، لا يستطيع الحصول على رخص لتأسيس قنوات بث تلفزيوني تجارية، وكذلك لا يستطيع فعل الشيء نفسه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني صاحب السيطرة الفعلية على شبكة الأخبار العالمية "الجزيرة". إذا وافقت إسرائيل على شروط الاتحاد الأوروبي، فسيؤدي هذا إلى فتح سوق البث التلفزيوني على مصراعيه، وسيكون بمقدور كل شخص تأسيس قناة تلفزيون، أو عشرات القنوات، أو أكثر. ويحذّر برسيكو من "أن القنات التجارية المحلية التي يديرها إسرائيليون ومموّلة من إعلانات الشركات الإسرائيلية، قد تنهار وتختفي"، في حال قبلت إسرائيل شروط الاتحاد الأوروبي.

البنوك تكسب

من أهمّ الداعمين البارزين لتيسا هي شركات الخدمات المالية. منظمة TheCityUK التي توفّر خدمات لوبي (مجموعات ضغط) لشركات مالية ضخمة في لندن، مثل بركليز ومورغان ستنلي، تعتبر جزءًا هامًّا من ائتلاف الخدمات العالمية التي كانت وراء ولادة مشروع اتفاقية تيسا.

"لا مجال للاستغراب من اللوبي المالي القوي حول تيسا. الهدف من الاتفاقية هو إعادة الوضع لما كان عليه قبل الأزمة المالية الكبيرة عام 2008، وهو الوضع الذي تميّز بانعدام الرقابة وفك لجامها"، هذا ما نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية في مقال حول تقرير Global Justice Now وهي منظّمة بريطانية تعنى بقضايا الرقابة والعدالة العالمية. وجاء أيضًا في التقرير: "أنه بالأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الأزمة المالية لعام 2008 قد نشبت بالأساس في ظل مناخ من انعدام الرقابة الذي أدى لظهور المنتجات المالية سيئة الصيت، فإن الخطر اليوم هو أن تؤدي "تيسا" إلى ردع الحكومات عن فرض قيود على استخدام منتجات مالية "حديثة" مما سيبقينا عاجزين عن محاولة منع الأزمة المالية القادمة".

وتحذّر المنظمة البريطانية المذكورة من أنه: "صحيح أن الخطوات التي تمّ اتّخاذها بعد الأزمة المالية عام 2008 لم تقترب حتى من الحد الكفيل بإشفاء الجهاز المالي المنهار، غير أن المجال المالي بدأ البحث عن إعادة العجلة إلى الوراء". مثال على ذلك هي تحييد قدرة الحكومات على كبح لجام البنوك كيلا تتحوّل إلى "أكبر من أن تنهار". تقترح مسوّدة "تيسا" "إزالة القيود المفروضة على القيمة الإجمالية للتداول التجاري في قطاع الخدمات أو الممتلكات، وهي قيود تأتي على شكل حصص أو عن طريق الإلزام بإجراء اختبار للحاجات الاقتصادية". بمعنى أن فرض القيود على حجم البنوك، صناديق التحوّط وصناديق الاستثمار الأخرى، قد تعتبر خرقًا لاتفاقية "تيسا".

وليس هذا فحسب، بل تحذّر المنظّمة من أنه كجزء من التعليمات الواردة في "تيسا" والمتعلّقة بالشفافية، ستكون الحكومات ملزمة بإبلاغ الشركات المالية الكبرى مسبقًا بنيتها سنّ قوانين جديدة تتعلّق بها. وسيسهّل هذا الأمر على الشركات المتعددة الجنسية تفعيل مجموعات الضغط الخاصة بها، ضد الرقابة، والتخطيط مسبقًا للخطوات القانونية بهدف منع سنّ قوانين تقيّد نشاطها.

انترنت للأغنياء فقط!

وليس من المتوقّع أن تمنح "تيسا" الشركات الكبرى اليد الطولى في القطاع المالي فحسب. بين الجهات التي تدفع باتجاه التوقيع على الاتفاقية هناك كبرى شركات الانترنت والتكنولوجيا العالمية، أمثال جوجل، مايكروسوفت، أي.بي.إم، إنتل، سيسكو وريزون، وشركات المحتوى الكبرى مثل ديزني وفوكس القرن ال21. هذه طبعًا معنية بإزالة القيود التي تفرضها عليها الحكومات لاعتبارات تتعلّق بالحفاظ على الخصوصية ورفاهية المواطنين وما شابه ذلك. في مجالات حقوق المواطن في الشبكة، أو ما يسمى أيضا الحقوق الرقمية، جرت مباحثات مثيرة للقلق حول مجالين أساسيين: حيادية الشبكة وحماية المعلومات الشخصية التابعة للمواطنين، أي لنا.

"شبكة الانترنت تأسست وتُدار حتى اليوم كشبكة محايدة. ويعني ذلك، أنه لا فرق بين فلاح فقير في مصر وشركة كبرى في الولايات المتحدة بكل ما يتعلق بإمكانية الوصول للشبكة"، هذا ما يقوله نيف ليليان، محرر المدونة التكنولوجية "هحيبور" وعضو في صندوق التحقيقات. "ممنوع أن تقوم الشركة التي توفّر الانترنت بالتدخل في مرور المعلومات في الشبكة أو في منح أولوية لجهة معينة في إرسال معلومات أو استلامها. الشبكة "عمياء" بالنسبة للمعلومات وتتعامل بشكل متساو مع كل أنواع المعلومات التي تمر من خلالها، سواء كان ذلك، فيديو، هواتف، صور، ملفات اكسل أو صفحات شبكة نصيّة. ويُدعى هذا المبدأ "حيادية الشبكة"، وتحفظه جهات الرقابة بشدّة حتى الآن".

يقول ليليان إنّ الشركات التي تشغّل البنية التحتية التي يتم تفعيل الانترنت عبرها، لم يعجبها هذا الوضع من بدايته، وحاولت العمل على إلغائه: "على مدار السنين، حاولت شركات الاتصالات الكبرى في الولايات المتحدة عدة مرات تغيير قوانين اللعبة وتمرير قوانين في الكونغرس تتيح لها إعطاء أولوية الاتصال بالانترنت مقابل أجر، غير أن المراقب رفض". ويحذّر ليليان من أن اتفاقية تيسا تنطوي على محاولة شركات التكنولوجيا المتطوّرة فرض هذا الأمر.

"بهدف تجاوز محاولات التشريع الفاشلة تحاول الشركات المتعددة الجنسية الكبرى أن تُقحم إلى "تيسا" مصطلحًا جديدًا هو Zero Rating "تصنيف: صفر". وبغض النظر عن الاصطلاح ففي الجوهر نتحدّث عن نفس الهدف القديم. يقول ليليان: "الفكرة من وراء "تصنيف: صفر" هي أن كل شخص ستكون له إمكانية مختلفة للوصول إلى الشبكة، والحصول على الخدمات والمواقع المختلفة بدل أن تكون لجميعنا إمكانية متساوية للوصول إلى أي موقع نريد". ويعني هذا أنه إذا رغبتم في دخول موقع يبثّ مسلسلات بجودة مشاهدة عالية مثلاً، فقد تُطالَبون بدفع مبلغ من المال لقاء فتح الموقع أمامكم، أو الاكتفاء ب"انترنت للفقراء". ويوضح ليليان أن "الطرف الذي سيكون مسؤولاً عن إبراز المواقع التي يعتقد أنها تهمّنا أكثر، هو نفسه الشركة التي توفّر لنا الانترنت أو شركة الاتصالات التي تصلنا بالشبكة".

وهناك خطر آخر محتمل وهو أن تقوم الشركات التي توفّر الانترنت بمنح أولوية بشكل غير عادل لمحتوى تابع لشركائها التجاريين أو لشركات أخت لها، وبذلك تقضي على المنافسة الحرة في مجال توفير المحتوى لنا كمستهلكين. على سبيل المثال، شركتا "بلفون" و"بيزك بنلئومي"، وهما شركتان أختان لشركة التلفزيون yes، يمكن أن تقترحا علينا محتوى تابع لشركة yes وإغلاق الطريق أمام محتوى تابع للشركة المنافسة Hot، أو نتفليكس، والمطالبة بدفع مبلغ مقابل مشاهدة برامجهما.

كما يحذّر ليليان من فقداننا الخصوصية، ف"تصنيف: صفر" سيجلب مصيبة أخرى تتجلّى في تحويل شركات الاتصالات إلى وسيط، ومنحها اليد الطولى بكل ما يتعلق بالمعلومات الداخلة والخارجة من حاسوبنا: "تعرف هذه الشركات بالضبط إلى أية مواقع دخلنا، وما هي الخدمات التي نستعملها. وتحويلها من مجرد طرف يزوِّدنا بالاتصالات إلى وسيط واعٍ بيننا وبين شبكة الانترنت وليس مجرد قناة عمياء – سيمسّ أيضًا بالخدمات التي تحفظ اليوم خصوصيتنا".

يتعلّق انتهاك الخصوصية بمبدأ "مرور المعلومات الحر" المقترح في وثائق "تيسا". يقول ليليان: "إن هذا المبدأ غامض وهذا بالضبط ما يجعله خطيرًا". منظمة Global Justice Now التي حقّقت في الموضوع، اكتشفت أنه في إطار هذا المبدأ ستحصل شركات خاصة على تصريح بنقل معلومات من دولة لأخرى في الوقت الحقيقي. قد تكون هناك قوانين جيدة للخصوصية في دولة الأصل التي تُنقَل منها المعلومات، ولكن من غير الواضح إطلاقًا كيف سيتم الحفاظ على خصوصية المعلومات في دول الهدف التي تستقبل المعلومات.

ضربة للخُضر

قد يكون مجال البيئة الأكثر تضرّرًا من اتفاقية "تيسا". يقول الدكتور يونتان اكنباوم، مدير الحملات في منظمة "جرينبيس": "إن الاتفاقية قد تضع عراقيل أمام الجهود الدولية للقضاء على ظاهرة تغييرات المناخ من خلال الانتقال من استعمال الوقود الأحفوري إلى مصادر متجددة، مثل الشمس والريح. بغرض الإبقاء على الارتفاع المحتمل في درجة حرارة الكرة الأرضية أدنى من درجتين حتى نهاية القرن الحالي، يجب إعادة توجيه الاستثمارات الدولية من مجال النفط والفحم والغاز إلى مصادر متجددة. إزالة الرقابة عن القطاع المالي يمكن أن تؤدي إلى وضع يسهل فيه تجنيد المال لصالح مشاريع قذرة جدا، مثل استخراج الغاز الحجري أو الزيت الحجري، وبالمقابل يُفرض حظر على تشجيع – كما هو مطلوب – الاستثمار في مصادر الطاقة المتجدّدة".

الصعوبة البيئية الأخرى التي لها علاقة باتفاقية "تيسا"، تمسّ بمجال البحث في البحر أو البرّ عن وقود ملوِّث. يفسّر اكنباوم بأنّ إزالة الرقابة عن الخدمات يمكنها أن تحفّز جميع الدول على الوصول إلى قاسم مشترك أدنى في أكثر من مجال، بينما ستتقلّص الرقابة البيئية على مجال التنقيب عن النفط، الأمر الذي قد يسبّب كوارث بيئية.

كما ذُكر أعلاه، بسبب السرّية التي تكتنف الاتفاقية، يصعب التنبؤ بعواقبها. ولكن، الاتجاه الصحيح على ضوء التحديات البيئية الماثلة أمام البشرية جمعاء، يجب أن يكون تغيير مسار توجّهات اللبرلة لتكون لصالح المجتمع والبيئة. أو "بكلمات أخرى"، كما يقول اكنباوم، "التسهيل على الشركات التي تساعد البيئة والمجتمع بشكل واضح، مثلا من خلال تخفيف ظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة، والتشدّد في الأمور التي تمسّ باحتمالات القضاء على ظاهرة تغيير المناخ أو تمسّ بمساعي الحفاظ على الكرة الأرضية". اتفاقية "تيسا"، من النزر اليسير المعروف عنها، لا تتقدّم في الاتجاه الصحيح.

الوقت يدهمنا!

الانتصار المجلجل لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، خلق وضعًا من عدم اليقين في أوساط المفاوضين في جنيف، الذين خطّطوا لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية حتى نهاية السنة الحالية. كما تمّ إلغاء مؤتمر للوزراء كان معيّنًا في المدينة في كانون أول (ديسمبر) المقبل. من جملة الأسباب التي قادت لانتخاب ترامب، كما بات معروفًا، هي معارضة اتفاقات التجارة الدولية التي يحمّلها قسم كبير من الجمهور الامريكي المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي يعانونها. وقد دخلت جنيف إلى حالة من الترقّب حتى تتبيّن مواقف الرئيس الجديد على أرض الواقع.  

أما لدينا، فمن المتوقّع انعقاد اللجنة الاقتصادية في 30 تشرين ثان (نوفمبر) أي بعد أيام قليلة، لإجراء بحث أوّلي بالنسبة للجزء الخاص بإسرائيل في المفاوضات السريّة. في الأسابيع القادمة ستنحسم أمور مصيرية. وفي حين كانت أصوات الشركات المتعدّدة الجنسية مسموعة جيّدًا داخل الغرفة المغلقة، جاء الآن دور الجمهور أن يُسمِع صوته خارجها.

لقد تمّ توجيه عدة أسئلة تفصيلية لوزارة الاقتصاد بشأن الاتفاقية وأبعادها، ولكن الوزارة اكتفت بالإجابة المقتضبة التالية: "برنامج العمل الحالي هو إنهاء المفاوضات حول الاتفاقية حتى نهاية السنة الحالية. أما بشأن مضمون الاتفاقية فليس بمقدورنا الردّ على الأسئلة التفصيلية أو الخوض في أية تفاصيل حول البنود المذكورة. يجدر التوضيح بأن الاتفاقية تعكس مستوى اللبرلة القائمة في الاقتصاد الإسرائيلي وليست فيها مطالبات بخصخصة الخدمات. كما أن تسوية النزاعات ستتم من خلال منظومة دولية".

تمّ إعداد هذه المقالة من قبل صندوق التحقيقات، وهي المنظّمة الأم للإعلام المستقل في إسرائيل. ينضوي تحت صندوق التحقيقات كل من الجهات التالية: مئة يوم من الشفافية، هعاين هشبيعيت (العين السابعة)، الاقتصاد الحقيقي، العدالة الاجتماعية-غرفة العمليات، "هماكوم هخي حام بجهنوم" (الموقع الأكثر سخونة في جهنم)، و"هحيبور" (الإنشاء-الرابط).

تأليف: عيران هلدسهايم (الاقتصاد الحقيقي). تحرير: شوكي تاوسيج (العين السابعة). صندوق التحقيقات مموّل من تبرّعات الجمهور.   

تمّ إعداد هذه المقالة من قبل صندوق التحقيقات، تأليف: عيران هلدسهايم (الاقتصاد الحقيقي).



 

في غرفة مغلقة بالعاصمة جنيف يدير مسؤولون حكوميون إسرائيليون مفاوضات مكثّفة حول اتفاقية تجارية دولية يُطلق عليها اسم "تيسا"، ستؤثر حتمًا على حياتنا جميعًا: الاخبار التي نسمعها، الكهرباء، تأمين الشيخوخة وحتى جمع النفايات في الحي. ولكن لا احد يسأل عن رأينا حول الاتفاقية وحتى الكنيست غير ملزمة بالموافقة عليه!

سوف تستأنف المحادثات قريبًا ، وفي حال لم نتحرك الآن ، سوف تقرر الشركات الكبرى مستقبلنا ومستقبل أولادنا.

رغم تصريح صادر عن وزارة الاقتصاد الإسرائيلية يشيد بأهمية الاتفاقية، تكشف تسريبات من المباحثات عن اتفاق غير ديمقراطي، يمكن أن يُستغلّ من قبل شركات كبرى متعددة الجنسية لضمان حرية نشاطها وإحكام سيطرتها على المرافق الاقتصادية في إسرائيل، اذ تمنحها الاتقاقية حصانة من القوانين والرقابة، وبالتالي الدوس على المصلحة العامة.

على الرغم من ذلك، فإن الكنيست باقٍ خارج الغرفة، والجمهور في إسرائيل يجهل الأمر والإعلام غير مهتمّ.  ولكن الآن، تغير الوضع.

نضع بين أيديكن/م التقرير الكامل لصندوق الأبحاث،  وهي المنظّمة الأم  للإعلام المستقل في إسرائيل، والممولة من تبرعات الجمهور. كتب التقرير عيران هيلدزهايم.  


 ماذا يمكن ان نتعلم من الكنديين؟

كل ما أرادته الحكومة الكندية هو الحفاظ على صحة المواطنين، علمًا أن برنامجها الانتخابي الذي أوصلها للحكم تضمّن وعودًا صريحة بالاهتمام بجودة البيئة ومكافحة تلوّث الهواء. من هنا، بدا سنّ قانون ضد مُضاف الوقود MMT، الذي يعتبر سمًّا عصبيًّا قويًّا، خطوة في الاتجاه الصحيح. فقد تمّ تشخيص العنصر المعدني الكامن في هذا المضاف، كمسبِّب محتمل لمرض البركنسون، وربط علماء بينه وبين أمراض مختلفة أخرى. للمضاف تأثيرات سلبية على كافة الكائنات الحية، وهو معروف كملوِّث، كما أن له بدائل غير باهظة الثمن. وقد حظرت دول أخرى استعماله وصرّح بعض شركات إنتاج السيارات الكبرى عن وقف استعماله.

ويفرض القانون الذي سنّه البرلمان الكندي قيودًا على استيراد ونقل المضاف. ولكن هذا القانون كلّف الدولة ثمنًا باهظًا. الشركة الامريكية "أثيل" التي تعتبر المتعهّدة الوحيدة لتزويد مادة الMMT في كندا، قدّم دعوى ضد الحكومة بقيمة خيالية تعادل 350 مليون دولار كندي. وكان المفروض أن يتم النظر في الدعوى ليس في الجهاز القضائي الكندي، بل في إطار الجهاز لتسوية النزاعات المنبثق عن الاتفاقية التجارية التي وقّعت عليها كندا قبل سنوات معدودة. تمنح الاتفاقية للشركات المتعدّدة الجنسية حقا لفيتو مقابل السياسات الحكومية. وهكذا، أدّى الخوف من الخسارة المادية الثقيلة إلى خضوع الحكومة الكندية السريع والمذلّ: فقد توصّلت إلى تسوية مع الشركة الأمريكية تنصّ على إلغاء القانون وتعويض الشركة بمبلغ 19.5 مليون دولار كندي. وليس هذا فحسب، بل التزمت الحكومة بنشر إعلان بأنّ المضاف ليس خطيرًا على الإطلاق. عن هذا جاء في "تورنتو ستار": "في فصل غرائبي من فصول تاريخ كندا، تقوم شركة نفط من فيرجينيا بإلغاء قانون صادق عليه البرلمان".

بعد عدة سنوات: تقوم دولة إسرائيل بخصخصة خدمات المياه وبيعها للشركة الأجنبية "برايت ووتر" (مياه صافية). رغم الاسم الواعد، شكا سكان السهل الساحلي من أن المياه التي تتدفّق من حنفياتهم تتعكّر شيئًا فشيئًا. خلال سنة واحدة انتشر تعكّر المياه في كل أنحاء البلاد. واكتشف باحثون في وزارة الصحة بان الشركة الأجنبية قد عمدت، بهدف التوفير في النفقات، إلى تغيير سياسة صيانة أنابيب المياه. وأوصت اللجنة الحكومية بإعادة تأميم خدمات المياه. وحدّد رئيس الحكومة في مؤتمر صحافي دراماتيكي بأن "من حقّ مواطني إسرائيل الحصول على مياه نظيفة".

غير أن شركة "برايت ووتر" لم تعتزم الرحيل بهذه السرعة. وادّعى مندوبون عن الشركة بأن التعكر هو خلل جماليّ فقط ولم يُثبت بشكل قاطع أنه يشكّل خطرًا صحيًّا. وهدّدت الشركة الأجنبية بتقديم دعوى بقيمة 4 مليارات دولار في المحكمة الدولية المنبثقة عن الاتفاقية التجارية التي وقّعتها إسرائيل قبل مدة زمنية قصيرة. خلال أسبوعين أعلن المتحدّث باسم الحكومة الإسرائيلي عن بقاء الخصخصة على ما هي عليه. وقامت دائرة النشر الحكومية على مدار السنة، ببثّ دعايات رسمية في الإذاعة والتلفزيون، تشرح بأن تعكّر الماء هو خلل جماليّ فحسب، وأنه لا دليل على أنه يشكّل خطرًا صحيًّا. ونُشرت في الصحف صورة لوزير الصحة وهو يتجرّع كأسًا من الماء الموحل. في تلك الفترة ارتفعت أسهم شركات المياه المعدنية بمئات النسب المئوية.

الحالة الأولى أعلاه حدثت بالفعل. الكابوس الكبير لحكومة جان كرتين  وقع في عام 1997، عندما أجبره الاتفاقية التجارية "نافتا" (NAFTA) على الخنوع المذلّ أمام الشركة الأمريكية التي أسّسها كلّ من شركة جنرال موتورز واكسون موبايل، في مطلع القرن العشرين. أما الحالة الثانية فلا تزال خيالية، ولكن من الممكن أن تتحوّل إلى كابوس مروّع لنا جميعًا في حال صادقت الحكومة الإسرائيلية على اتفاق مماثل لذلك الذي وقّعه الكنديّون مع الشركات المتعدّدة الجنسية الكبرى في التسعينات.

المباحثات حول "تيسا" (TiSA)، اتفاقية الخدمات الدولية التي من المفترض أن تستبدل اتفاقية "جاتس"، لا تزال مستمرة منذ ثلاث سنوات على الأقلّ – ولا يزال هناك خلاف حول تاريخ بدء المباحثات، حتى بين المفاوضين أنفسهم – وتقترب من مرحلة وضع اللمسات الأخيرة. اتفاقية الخدمات الدولية، الموازية للاتفاقيات التجارية الدولية الكبرى، تجمع معظم الاقتصادات الكبرى في العالم – ما عدا الصين وروسيا – ومن المتوقّع أن يتم التوقيع عليها حتى نهاية العام. هناك ما يقارب الخمسين دولة التي من المتوقّع أن تشارك في الاتفاقية، ما يضاهي حوالي 70% من إجمالي التجارية العالمية في مجال الخدمات. بالنسبة لإسرائيلي يجري الحديث عن اتفاقية هامة، علمًا أن تصدير الخدمات يشكّل ثلث الصادرات المحلية في إسرائيل.      

خطورة الاتفاقية في سريتها

في هذه الأيام تمامًا يجلس مسؤولو وزارة الاقتصاد مع مندوبين عن دول أجنبية وشركات دولية في غرفة مغلقة في العاصمة السويسرية، جنيف، ويتباحثون في شأن انضمام إسرائيل إلى "تيسا". في هذه الغرفة من المتوقع أن يتم التوقيع حتى نهاية هذا العام على واحدة من أخطر الاتفاقيات التجارية العالمية التي وقّعت عليها إسرائيل، ولكن مع هذا من غير الواضح من لديه علم بمضمون المباحثات بالضبط. فالجلسات تنعقد بعيدا عن عدسات الكاميرات، والإعلام غير مهتمّ إطلاقًا مما يخلق تعتيما يمنع الجمهور من معرفة ما يحدث.

ليس الجمهور وحده من يجهل تفاصيل الاتفاقية، بل أعضاء الكنيست أيضًا لا يحظون بالاطلاع عليها. بعضهم حتى لا يعرف بوجودها أصلاً. المرة الأولى التي سيُسمَح لهم فيها برؤية الاتفاقية ستكون قبل 12 يومًا فقط من تاريخ مصادقة الحكومة عليها – وحتى هذا سيكون فقط لغرض قراءتها واستجواب وزير الاقتصاد بشأنها. كما أن هذه الاتفاقية لن تُعرَض أبدًا على الكنيست للمصادقة عليها. وليس هذا فحسب، بل ورغم الخطر الكامن في الاتفاقية على استقلالية السياسة الحكومية، وإمكانية التعرّض لمخاطر مالية كبيرة والانتهاك السافر المحتمل لسيادة القضاء الإسرائيلي – فمن شبه المستحيل إلغاء اتفاقيات من نوع "تيسا" بعد المصادقة عليها.

الشركات الكبرى  تسيطر على الحكومات

تنطوي اتفاقيات التجارية العالمية على أهمية عليا خاصة في عالم تحوّل منذ زمن إلى قرية عالمية كبيرة واحدة. أعداد هذه الاتفاقيات الموقعة بين دول مختلفة في ارتفاع مستمر، خاصة في السنوات الأخيرة. تنظّم الاتفاقيات مسألة إزالة الحواجز أمام التجارة الدولية، وتسهّل على حركة البضائع والخدمات من دولة لأخرى، ومن المفترض أن تتيح لمواطني هذه الدول الاستفادة من امتيازات العولمة ومستوى المعيشة المرتفع والثروة الموعودة. ولكن التسريبات من المباحثات الجارية حول اتفاقية "تيسا" تثير القلق من احتمال تهميش مصالح المواطنين لصالح الشركات المتعددة الجنسية والمس بالتالي بسيادة الدول.

إذا تمّ التوقيع على الاتفاقية بالصيغة التي تبدو من التسريبات، قد نستفيق لنجد أنفسنا في زمن تصبح فيه الحكومات الإسرائيلية مقيّدة جدًّا في قدرتها على مراقبة نشاط الشركات المتعدّدة الجنسية في الدولة. كل قانون أو قاعدة يمكن أن تتحوّل إلى حجّة بيد الشركات لتقديم دعوى ضد الدولة في المحكمة الدولية. كما سيتمّ فرض قيود صارمة على قدرة الحكومات على استعادة سيطرتها على الخدمات العامة التي تمّت خصخصتها، حتى لو اتضح فشل الخصخصة. غير أن هذه ليست الأبعاد المحتملة الوحيدة للتوقيع على اتفاقية دون رقابة جماهيرية. رغم التكتّم على ما يجري داخل غرفة المباحثات في جنيف، فإن مستندات ويكيليكس، وتسريبات أخرى، وتحليلات مختصّين والتجربة المتراكمة من الاتفاقيات السابقة، تشير جميعها إلى حجم وشدّة ارتهان إسرائيل لتيسا، إذا تمّت المصادقة على الصيغة التي تضمن مصالح الشركات المتعدّدة الجنسية.

على سبيل المثال، في مجال الطاقة: سيؤدي تضمين مبدأ الحيادية إلى توقّف إسرائيل عن تفضيل استعمال الطاقة المتجدّدة محل الفحم والوقود والنفط؛ في المجال المالي، يتم في جنيف بحث مسألة إضعاف الرقابة بشكل ملموس، رغم أن هذه الرقابة كانت من أهم العوامل التي أنقذت إسرائيل من الأضرار الجسيمة التي كانت للأزمة الاقتصادية عام 2008؛ في مجال الإعلام، هناك احتمال أن تضطر إسرائيل إلى السماح لأصحاب المليارات الأجانب بالسيطرة على قنوات بثّ محلية دون أية قيود؛ الاتفاقية التي يجري بحثها قد تشكّل خطرًا كبيرًا على خصوصية الفرد في الشبكة بسبب الحرية الكبيرة التي تهدّد بمنحها لشركات الانترنت الكبرى للتجارة بالمعلومات الشخصية الخاصة بمستعملي الانترنت، ولشركات البنية التحتية لمنح الأولوية لاستخدام الانترنت مقابل أجر.

يتضح إذن سبب حماسة الشركات الكبرى لتأييد الاتفاقية. ومما جاء في موقع الانترنت الخاص بالموضوع الذي أسسته الشركات المتعددة الجنسية تحت اسم "طاقم تيسا" (Team Tisa): "إن قطاع الخدمات هو أكثر القطاعات نموًّا في الاقتصاد العالمي وهو مسؤول عن ثلثي الإنتاج العالمي، وثلث التشغيل العالمي وتقريبا 20 بالمئة من التجارة العالمية. تتيح اتفاقية تيسا الفرصة لتوسيع التجارة في الخدمات في أكثر من 50 دولة. التوسيع المحتمل الذي تعد به تيسا لن يفيد النمو العالمي فحسب، بل النموّ داخل الولايات المتحدة أيضًا".

وردت الامتيازات المختلفة للاتفاقيات في المنشورات الرسمية لوزارة التجارة الأمريكية والمفوضية الأوروبية ووزارة الاقتصاد الإسرائيلية التي تعمل في هذا الصدد بالتعاون مع الوزارات والمراقبين ذوي الصلة بالموضوع في البلاد. نير بنرجا، رئيس قسم العلاقات التجارية في وزارة الاقتصاد، يمثّل الدولة في المفاوضات نحو التوقيع على الاتفاقية والتي تشتمل على 20 موضوعًا في مجالات التجارة المختلفة.

تهدف اتفاقية تيسا، كما جاء في الإعلان القصير الصادر عن برنجا، إلى "خلق بنية تحتية محدّثة ومتعددة الجنسية للتجارة بالخدمات". التطورات التكنولوجية "غيّرت تمامًا شكل التجارة العالمية بشكل عام والتجارة بالخدمات بشكل خاص"، و"هذه التغييرات تتطلّب تحديث منظومة قواعد التجارة العالمية".

وأضاف برنجا أن المباحثات الدائرة في جنيف تتناول مسألة "إزالة الحواجز أمام مصدِّري الخدمات بهدف تسهيل وصولهم لأسواق عديدة ومتنوّعة"، و"منع التمييز ضد متعهّدي الخدمات الأجانب". كما جاء في الإعلان أن "إحدى النتائج الجيدة للمفاوضات ستسمح لمصدِّري الخدمات بالاستفادة من أفضلية في التجارة بالخدمات مع شريكات تجارية عريقة وحديثة، مثل: أستراليا، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، تركيا، اليابان وكندا، وكذلك مع تايوان، تشيلي، كولومبيا، كوريا الجنوبية وغيرها. تشكّل التجارة بين هذه الدول أكثر من 70% من مجمل التجارة العالمية في الخدمات، وفرصة غير مسبوقة لتحسين البنى التحتية للتجارة العالمية لمتعهّدي الخدمات الإسرائيليين في اتفاقية واحدة".

بالمقابل يقول أمنون بورتوغلي، الباحث في مجال اتفاقيات التجارة العالمية من قبل معهد الدراسات فان لير: "هذه هي الصورة المثالية لتيسا التي تظهرها لنا الحكومات والشركات المتعددة الجنسية. غير أن الواقع مختلف تمامًا. لدى الخوض في التفاصيل وقراءة المستندات التي سُرّبت في ويكيليكس، وتحليل هذه المستندات، فإننا نرى صورة مغايرة تمامًا: اتفاقية كل جوهرها هو استيلاء الشركات المتعددة الجنسية الكبرى على الديمقراطيات الكبرى. اتفاقية التجارة هي عمليا وثيقة معارضة للديمقراطية، تتيح للشركات الكبرى استعمال اتفاقية تجارية تحدّدت مبادئها في مفاوضات سرّية، لضمان حرية نشاطها، وعمليًّا إحكام سيطرتها على العالم".

بورتوغلي ليس الوحيد الذي يتمسّك بهذا الموقف. دانيئل برتوسا، المسؤول في منظّمة التجارة العالمية PSI، الذي يمثّل 669 منظّمة مهنيّة في أرجاء العالم، قال مؤخّرا في مقابلة لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية إنه: "على كل من يهمّه الحفاظ على الديمقراطية أن يقلق إزاء اتفاقية تيسا التي تدور المفاوضات حولها في السرّ. ستشطب الاتفاقية جوانب خطيرة من السيادة الوطنية". حسب أقواله، الاتفاقية هي "جزء من مبادرة راديكالية لتقييد الحق السيادي المكفول للحكومات لإجراء رقابة، وذلك خدمةً لمصالح الشركات المتعدّدة الجنسية الأجنبية".

وفي دول الخارج، عمّ نقد مماثل أوساط الجماهير الواسعة وتحوّل الأمر إلى عنصر مؤثر في تغييرات زعزعت العالم. على سبيل المثال، كان أحد أسباب تأييد  الكثير من البريطانيين للاقتراح الخطير بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي (بركزيت)، هو معارضتهم لاتفاق التجارة الدولي TTIP – وهو الاتفاق المكمِّل لاتفاقية "تيسا" وأحد ثلاثة اتفاقات تجارية دولية، معروفة باسم T" الكبرى".

كما أظهر التحقيق الموسّع الذي أجراه المستشار والباحث الشهير، ستنلي جرينبرغ، بالتعاون مع معهد روزفلت، أن اتفاقيات التجارة هي بين المصادر الرئيسية لعدم رضا جزء قسم من الشعب الأمريكي. وقد كانت اتفاقيات التجارة الدولية من أهم المواضيع الرئيسية التي طرحت في الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية، وساهمت المعارضة لها بانتخاب دونالد ترامب الذي تعهّد ب"تمزيق هذه الاتفاقيات إربًا".

معارضة شديدة في العالم

في ألمانيا خرج 300 ألف مواطن لشوارع برلين وميونخ للتظاهر ضد الاتفاقية وفي هذه المرحلة نجحوا في تجميد المصادقة عليها. كما تظاهر عدد مشابه في الصيف الأخير في شوارع العاصمة الفرنسية باريس. ولم يقتصر التحرّك على المواطنين فحسب، بل قام البرلمان في إقليم فلونيا في بلجيكا بتجميد اتفاقية "تيسا" واتفاقية أخرى مكمِّلة لها، إلى حين الاستجابة لمطالبه الالتزام بحماية العاملين البلجيكيين.

وقد حظي المحتجّون على دعم لمواقفهم من خبراء كبار في مجال الاقتصاد، من امثال الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، جوزيف ستيغليتز الذي كتب في مقال له: "إن قوانين اللعبة يجب أن تتغير من جديد – إجراء كهذا يجب أن يشتمل على أدوات لترويض العولمة. [اتفاقيات التجارة التي يتمّ الترويج لها الآن] هي خطوة في الاتجاه غير الصحيح". نُشر المقال ضمن "project-syndicate" وذلك في آب الأخير، وتمّت ترجمته للعبرية.

خصخصة لا رجعة فيها

لتجسيد الأبعاد المحتملة لاتفاقية "تيسا" بالنسبة للسيادة الإسرائيلية، يكفي العودة إلى ما كان قبل أشهر معدودة: في آذار 2016 حكمت محكمة العدل العليا بإلغاء مشروع اتفاقية الغاز الذي اقترحته الحكومة، وذلك بسبب الفقرة المتعلقة ب"ثبات الرقابة". يذكر أن الحكومة التزمت امام شركات الغاز بعدم إدخال أي تغييرات على الرقابة على مجال الغاز خلال السنوات العشر القادمة. وقد حكمت المحكمة بأن هذا الالتزام غير قانوني. "الفقرة المتعلقة بثبات الرقابة، والتي تلتزم فيها الحكومة أنها ولمدة عشر سنوات لن تسنّ أي قانون بل وستحارب ضد أي محاولة لسنّ قانون ضد تعليمات الاتفاق، لا صلاحية للحكومة في تحديدها ويجب إلغاؤها"، هذا ما كتبه قاضي العليا الياكيم روبنشتاين، وأضاف: "وذلك لأنها تحددت بشكل مخالف للقاعدة الأساسية في القانون الإداري بشأن حظر تقييد واجب السلطة التفكير في الأمور ودراستها. واضح أنه لدى منح أي سلطة صلاحية معينة حسب القانون، فإن مع الصلاحية يأتي الواجب، هو واجب التفكير في الأمور ودراستها". وبكلمات أخرى: ليس من حق الحكومة أن تنقل واجبها التفكير في الأمور للشركة الخاضعة لرقابتها. هذا عن اتفاقية الغاز، ولكن اتفاقية "تيسا" قد تشتمل على فقرة تنص على "ثبات الرقابة" أخطر بكثير، إذ أنها قد تشمل العديد من الشركات المتعددة الجنسية المختلفة، ولن تكون محدودة بفترة زمنية. عمليا، ستمنح هذه الاتفاقية للشركات حصانة من القوانين والرقابة.

"راتشت" (ratchet) هو مصطلح يعني الدولاب المسنّن الذي يمكن أن يلف باتجاه واحد فقط. "راتشت" هو أيضًا اسم بند في اتفاقية "تيسا" دوره أن يضمن بأن العمليات التي ستحرّكها الاتفاقية ستتم باتجاه واحد فقط. حسب ذلك البند، فإن خصخصة خدمة معينة، مثل خدمات المواصلات العامة، الكهرباء، الماء، الصحة أو أية خدمة أخرى، هي أمر لا رجعة فيه. أي أنه حتى إذا قررت الدولة أن الخصخصة كانت عبارة عن فشل ذريع يسبّب أضرارًا جسيمة للمواطنين، فسيكون من المستحيل التراجع عنها وإعادة الدولاب للوراء وإلغاء الخصخصة. أما البند الآخر في الاتفاقية الذي يُطلَق عليه اسم "Standstill"، أي "تجميد الوضع"، فهو يحدّد بأنه بعد دخول "تيسا" حيّز التنفيذ، لن يكون بالإمكان سنّ أي قانون يمنح أولوية للشركات المحلية على الشركات الأجنبية الموازية لها.

يهدّد كلا البندين، "الدولاب المسنّن" و"تجميد الوضع"، بإخصاء قدرة الحكومات المستقبلية على المبادرة إلى إجراءات مختلفة، وسنّ قوانين ووضع تشريعات، كما سيحبطان أية إمكانية لإعادة تأميم الخدمات العامة.

المحكمة العليا م.ض.

كشفت ويكيليكس عن وثيقة للاتحاد الأوروبي من تموز هذا العام، هي عبارة عن مسوّدة لتسوية النزاعات. حسب الاقتراح، سيعمل طواقم من "خبراء في التجارة" كقضاة في النزاعات حول مسألة انتهاك الدول لالتزاماتها في الاتفاقية. "ستُخوّل هذه الطواقم الصلاحية بأن تقرر أنه على حكومات معينة تغيير قوانينها، سياستها أو حتى قراراتها المتعلقة بخدمات مختلفة، وفرض عقوبات اقتصادية خطيرة عليها حتى تنفّذ المطلوب منها"، هذا ما يقوله الخبير في مجال الاتفاقيات التجارية، أمنون بورتوغلي، ويضيف: "في الاقتراح الأوروبي لاتفاقية تيسا لن تكون هناك هيئة للاستئناف، وذلك لأن الولايات المتحدة تعارض ذلك بشدّة، علمًا أن اتفاقيات التجارة الحرة التي وُقّعت مؤخّرًا بين كندا والاتحاد الأوروبي تشتمل على هيئة للاستئناف. النتيجة هي انعدام أية رقابة على طواقم خبراء هيئة التحكيم".

ومع هذا، تعتبر هذه المنظومة أقلّ سوءًا من المنظومة السابقة الخطيرة وغير الديمقراطية التي طالبت الشركات الكبرى بإدخالها للاتفاقية، والمعروفة باسم ISDS، والتي تشكّل اليوم هيئة للدفاع عن الشركات الضخمة من القوانين والرقابة. في إطار ISDS تستطيع الشركات مقاضاة الدول في هيئات قضائية دولية. حسب مسودة الهيئة القضائية التي كشفت عنها ويكيليكس، من حق الدول فقط مقاضاة دول أخرى، على أن يتضمن الإجراء درجة معينة من الشفافية - ولكن القراءة العميقة لمضمون المستندات التي تمّ تسريبها من مباحثات "تيسا"، يبدو أن الشركات الكبرى أبقت لنفسها مجالاً واسعًا لمقاضاة الدول، وفق ما تقترحه منظومة ISDS.

وقد تعرّضت منظومة ISDS إلى انتقادات لاذعة من رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة، جون روبرتس الذي رأى أن منظومة تسوية النزاعات "تمنح محكَّمين خصوصيين، غير منتخبين بالضرورة من قبل الدولة، تمنحهم القوة التي تحتفظ بها الدولة لمحاكمها كما تعطيهم الحق في محاكمة إجراءاتها السيادية".

يقول بورتوغلي: "إنّ الأساس لأية دعوى تقدّمها الشركات المتعدّدة الجنسية في إطار منظومة ISDS يمكن أن يكون سنّ أي قانون أو تشريع أو فرض رقابة تعتبرها الشركات مسًّا باستثماراتها أو أرباحها أو حتى بتوقّعاتها الربحية. ليست هناك أيّة رقابة قضائية على المحكمة الدولية، قراراتها نهائية وملزمة للدول وهي تتضمّن غرامات مالية ضخمة يمكن أن تقود إلى إفلاس الدول التي تُقدَّم بحقها الدعاوى القضائية. نتيجة ذلك، بمقدور المحاكم الدولية هذه عمليًّا أن تمنع سن قوانين وأن تلغي سيادة السلطات التشريعية والبرلمانات وحتى قرارات المحاكم العليا. لا يدور الحديث عن سيناريو رعب خيالي، بل لقد تمّت بالفعل هذه الإجراءات القانونية ضد الحكومة الكندية"، في إشارة إلى المهزلة التي وقعت في التسعينات حول مسألة مضاف الوقود.

ويوضح  بورتوغلي أنه رغم إعلان وزارة الاقتصاد رسميًّا بأن "تيسا" لن تشتمل على منظومة ISDS ، فالمؤكّد أنها لا تزال مطروحة على مائدة المفاوضات: "لا تزال هناك ثغرات في الاتفاقية وسُبُل تتيح للشركات المتعددة الجنسية ولمستثمرين أفراد مقاضاة الدول الموقِّعة على الاتفاقية وفق تلك المنظومة الهدّامة. وفي هذا ما يثير القلق بالنسبة لقطاع الخدمات الحساسة من الناحية الاجتماعية والتي تحتاج إلى درجة عالية من الاستثمار الاقتصادي مثل الطاقة، الأموال، المواصلات والإعلام".   

الأخبار برعاية ادلسون

وبالفعل، أحد المجالات الحسّاسة التي قد تؤثّر "تيسا" عليها بشكل خطير هو مجال الإعلام. في إطار الاتفاقية يطالب الاتحاد الأوروبي دولة إسرائيل بإلغاء القيود المفروضة على هوية أصحاب قنوات التلفزيون التجارية، هذا ما يظهر في الوثيقة السرية التي كشفت عنها ويكيليكس. وقد أكّدت وزارة الاقتصاد مضمون الوثيقة ولكنها رفضت إضافة أية تفاصيل أخرى حوله.

"في إسرائيل اليوم كل من يرغب في فتح قناة تلفزيونية تجارية مثل القناة الثانية أو العاشرة، أو تأسيس شركة تلفزيونية متعدّدة القنوات مثل شركتي HOT أو yes، فعليه استيفاء عدة شروط للحصول على رخصة لذلك. ينصّ أحد هذه الشروط على أن صاحب السيطرة على القناة التلفزيونية يجب أن يكون إسرائيليًّا ومواطنًا إسرائيليًّا وأن الشركة التي يتم بواسطتها تأسيس القناة يجب أن تكون إسرائيلية"، هذا ما يقوله اورن برسيكو، مراسل موقع "هعاين هشبيعيت" (العين السابعة)، العضو في صندوق التحقيقات. ويضيف برسيكو: "لا تنصّ القيود الصارمة اليوم فقط على أن تكون شركة توفير خدمات التلفزيون المتعدّدة القنوات إسرائيلية فحسب، بل أن تُدار أيضًا من قبل إسرائيلي وأن يكون أعضاء الإدارة الكبار فيها بمعظمهم إسرائيليين".

ولم يأت فرض هذه القيود من فراغ. حسب برسيكو، تهدف هذه القيود إلى منع أصحاب رؤوس الأموال الأجانب من تأسيس قنوات بث تلفزيون تجارية ستعمل على تهميش القنوات المحلية وتفرض سيطرتها على الحيّز التلفزيوني في إسرائيل: "رجل الأعمال والمتصدِّق اليهودي شلدون ادلسون، مثلا، لا يستطيع الحصول على رخص لتأسيس قنوات بث تلفزيوني تجارية، وكذلك لا يستطيع فعل الشيء نفسه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني صاحب السيطرة الفعلية على شبكة الأخبار العالمية "الجزيرة". إذا وافقت إسرائيل على شروط الاتحاد الأوروبي، فسيؤدي هذا إلى فتح سوق البث التلفزيوني على مصراعيه، وسيكون بمقدور كل شخص تأسيس قناة تلفزيون، أو عشرات القنوات، أو أكثر. ويحذّر برسيكو من "أن القنات التجارية المحلية التي يديرها إسرائيليون ومموّلة من إعلانات الشركات الإسرائيلية، قد تنهار وتختفي"، في حال قبلت إسرائيل شروط الاتحاد الأوروبي.

البنوك تكسب

من أهمّ الداعمين البارزين لتيسا هي شركات الخدمات المالية. منظمة TheCityUK التي توفّر خدمات لوبي (مجموعات ضغط) لشركات مالية ضخمة في لندن، مثل بركليز ومورغان ستنلي، تعتبر جزءًا هامًّا من ائتلاف الخدمات العالمية التي كانت وراء ولادة مشروع اتفاقية تيسا.

"لا مجال للاستغراب من اللوبي المالي القوي حول تيسا. الهدف من الاتفاقية هو إعادة الوضع لما كان عليه قبل الأزمة المالية الكبيرة عام 2008، وهو الوضع الذي تميّز بانعدام الرقابة وفك لجامها"، هذا ما نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية في مقال حول تقرير Global Justice Now وهي منظّمة بريطانية تعنى بقضايا الرقابة والعدالة العالمية. وجاء أيضًا في التقرير: "أنه بالأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الأزمة المالية لعام 2008 قد نشبت بالأساس في ظل مناخ من انعدام الرقابة الذي أدى لظهور المنتجات المالية سيئة الصيت، فإن الخطر اليوم هو أن تؤدي "تيسا" إلى ردع الحكومات عن فرض قيود على استخدام منتجات مالية "حديثة" مما سيبقينا عاجزين عن محاولة منع الأزمة المالية القادمة".

وتحذّر المنظمة البريطانية المذكورة من أنه: "صحيح أن الخطوات التي تمّ اتّخاذها بعد الأزمة المالية عام 2008 لم تقترب حتى من الحد الكفيل بإشفاء الجهاز المالي المنهار، غير أن المجال المالي بدأ البحث عن إعادة العجلة إلى الوراء". مثال على ذلك هي تحييد قدرة الحكومات على كبح لجام البنوك كيلا تتحوّل إلى "أكبر من أن تنهار". تقترح مسوّدة "تيسا" "إزالة القيود المفروضة على القيمة الإجمالية للتداول التجاري في قطاع الخدمات أو الممتلكات، وهي قيود تأتي على شكل حصص أو عن طريق الإلزام بإجراء اختبار للحاجات الاقتصادية". بمعنى أن فرض القيود على حجم البنوك، صناديق التحوّط وصناديق الاستثمار الأخرى، قد تعتبر خرقًا لاتفاقية "تيسا".

وليس هذا فحسب، بل تحذّر المنظّمة من أنه كجزء من التعليمات الواردة في "تيسا" والمتعلّقة بالشفافية، ستكون الحكومات ملزمة بإبلاغ الشركات المالية الكبرى مسبقًا بنيتها سنّ قوانين جديدة تتعلّق بها. وسيسهّل هذا الأمر على الشركات المتعددة الجنسية تفعيل مجموعات الضغط الخاصة بها، ضد الرقابة، والتخطيط مسبقًا للخطوات القانونية بهدف منع سنّ قوانين تقيّد نشاطها.

انترنت للأغنياء فقط!

وليس من المتوقّع أن تمنح "تيسا" الشركات الكبرى اليد الطولى في القطاع المالي فحسب. بين الجهات التي تدفع باتجاه التوقيع على الاتفاقية هناك كبرى شركات الانترنت والتكنولوجيا العالمية، أمثال جوجل، مايكروسوفت، أي.بي.إم، إنتل، سيسكو وريزون، وشركات المحتوى الكبرى مثل ديزني وفوكس القرن ال21. هذه طبعًا معنية بإزالة القيود التي تفرضها عليها الحكومات لاعتبارات تتعلّق بالحفاظ على الخصوصية ورفاهية المواطنين وما شابه ذلك. في مجالات حقوق المواطن في الشبكة، أو ما يسمى أيضا الحقوق الرقمية، جرت مباحثات مثيرة للقلق حول مجالين أساسيين: حيادية الشبكة وحماية المعلومات الشخصية التابعة للمواطنين، أي لنا.

"شبكة الانترنت تأسست وتُدار حتى اليوم كشبكة محايدة. ويعني ذلك، أنه لا فرق بين فلاح فقير في مصر وشركة كبرى في الولايات المتحدة بكل ما يتعلق بإمكانية الوصول للشبكة"، هذا ما يقوله نيف ليليان، محرر المدونة التكنولوجية "هحيبور" وعضو في صندوق التحقيقات. "ممنوع أن تقوم الشركة التي توفّر الانترنت بالتدخل في مرور المعلومات في الشبكة أو في منح أولوية لجهة معينة في إرسال معلومات أو استلامها. الشبكة "عمياء" بالنسبة للمعلومات وتتعامل بشكل متساو مع كل أنواع المعلومات التي تمر من خلالها، سواء كان ذلك، فيديو، هواتف، صور، ملفات اكسل أو صفحات شبكة نصيّة. ويُدعى هذا المبدأ "حيادية الشبكة"، وتحفظه جهات الرقابة بشدّة حتى الآن".

يقول ليليان إنّ الشركات التي تشغّل البنية التحتية التي يتم تفعيل الانترنت عبرها، لم يعجبها هذا الوضع من بدايته، وحاولت العمل على إلغائه: "على مدار السنين، حاولت شركات الاتصالات الكبرى في الولايات المتحدة عدة مرات تغيير قوانين اللعبة وتمرير قوانين في الكونغرس تتيح لها إعطاء أولوية الاتصال بالانترنت مقابل أجر، غير أن المراقب رفض". ويحذّر ليليان من أن اتفاقية تيسا تنطوي على محاولة شركات التكنولوجيا المتطوّرة فرض هذا الأمر.

"بهدف تجاوز محاولات التشريع الفاشلة تحاول الشركات المتعددة الجنسية الكبرى أن تُقحم إلى "تيسا" مصطلحًا جديدًا هو Zero Rating "تصنيف: صفر". وبغض النظر عن الاصطلاح ففي الجوهر نتحدّث عن نفس الهدف القديم. يقول ليليان: "الفكرة من وراء "تصنيف: صفر" هي أن كل شخص ستكون له إمكانية مختلفة للوصول إلى الشبكة، والحصول على الخدمات والمواقع المختلفة بدل أن تكون لجميعنا إمكانية متساوية للوصول إلى أي موقع نريد". ويعني هذا أنه إذا رغبتم في دخول موقع يبثّ مسلسلات بجودة مشاهدة عالية مثلاً، فقد تُطالَبون بدفع مبلغ من المال لقاء فتح الموقع أمامكم، أو الاكتفاء ب"انترنت للفقراء". ويوضح ليليان أن "الطرف الذي سيكون مسؤولاً عن إبراز المواقع التي يعتقد أنها تهمّنا أكثر، هو نفسه الشركة التي توفّر لنا الانترنت أو شركة الاتصالات التي تصلنا بالشبكة".

وهناك خطر آخر محتمل وهو أن تقوم الشركات التي توفّر الانترنت بمنح أولوية بشكل غير عادل لمحتوى تابع لشركائها التجاريين أو لشركات أخت لها، وبذلك تقضي على المنافسة الحرة في مجال توفير المحتوى لنا كمستهلكين. على سبيل المثال، شركتا "بلفون" و"بيزك بنلئومي"، وهما شركتان أختان لشركة التلفزيون yes، يمكن أن تقترحا علينا محتوى تابع لشركة yes وإغلاق الطريق أمام محتوى تابع للشركة المنافسة Hot، أو نتفليكس، والمطالبة بدفع مبلغ مقابل مشاهدة برامجهما.

كما يحذّر ليليان من فقداننا الخصوصية، ف"تصنيف: صفر" سيجلب مصيبة أخرى تتجلّى في تحويل شركات الاتصالات إلى وسيط، ومنحها اليد الطولى بكل ما يتعلق بالمعلومات الداخلة والخارجة من حاسوبنا: "تعرف هذه الشركات بالضبط إلى أية مواقع دخلنا، وما هي الخدمات التي نستعملها. وتحويلها من مجرد طرف يزوِّدنا بالاتصالات إلى وسيط واعٍ بيننا وبين شبكة الانترنت وليس مجرد قناة عمياء – سيمسّ أيضًا بالخدمات التي تحفظ اليوم خصوصيتنا".

يتعلّق انتهاك الخصوصية بمبدأ "مرور المعلومات الحر" المقترح في وثائق "تيسا". يقول ليليان: "إن هذا المبدأ غامض وهذا بالضبط ما يجعله خطيرًا". منظمة Global Justice Now التي حقّقت في الموضوع، اكتشفت أنه في إطار هذا المبدأ ستحصل شركات خاصة على تصريح بنقل معلومات من دولة لأخرى في الوقت الحقيقي. قد تكون هناك قوانين جيدة للخصوصية في دولة الأصل التي تُنقَل منها المعلومات، ولكن من غير الواضح إطلاقًا كيف سيتم الحفاظ على خصوصية المعلومات في دول الهدف التي تستقبل المعلومات.

ضربة للخُضر

قد يكون مجال البيئة الأكثر تضرّرًا من اتفاقية "تيسا". يقول الدكتور يونتان اكنباوم، مدير الحملات في منظمة "جرينبيس": "إن الاتفاقية قد تضع عراقيل أمام الجهود الدولية للقضاء على ظاهرة تغييرات المناخ من خلال الانتقال من استعمال الوقود الأحفوري إلى مصادر متجددة، مثل الشمس والريح. بغرض الإبقاء على الارتفاع المحتمل في درجة حرارة الكرة الأرضية أدنى من درجتين حتى نهاية القرن الحالي، يجب إعادة توجيه الاستثمارات الدولية من مجال النفط والفحم والغاز إلى مصادر متجددة. إزالة الرقابة عن القطاع المالي يمكن أن تؤدي إلى وضع يسهل فيه تجنيد المال لصالح مشاريع قذرة جدا، مثل استخراج الغاز الحجري أو الزيت الحجري، وبالمقابل يُفرض حظر على تشجيع – كما هو مطلوب – الاستثمار في مصادر الطاقة المتجدّدة".

الصعوبة البيئية الأخرى التي لها علاقة باتفاقية "تيسا"، تمسّ بمجال البحث في البحر أو البرّ عن وقود ملوِّث. يفسّر اكنباوم بأنّ إزالة الرقابة عن الخدمات يمكنها أن تحفّز جميع الدول على الوصول إلى قاسم مشترك أدنى في أكثر من مجال، بينما ستتقلّص الرقابة البيئية على مجال التنقيب عن النفط، الأمر الذي قد يسبّب كوارث بيئية.

كما ذُكر أعلاه، بسبب السرّية التي تكتنف الاتفاقية، يصعب التنبؤ بعواقبها. ولكن، الاتجاه الصحيح على ضوء التحديات البيئية الماثلة أمام البشرية جمعاء، يجب أن يكون تغيير مسار توجّهات اللبرلة لتكون لصالح المجتمع والبيئة. أو "بكلمات أخرى"، كما يقول اكنباوم، "التسهيل على الشركات التي تساعد البيئة والمجتمع بشكل واضح، مثلا من خلال تخفيف ظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة، والتشدّد في الأمور التي تمسّ باحتمالات القضاء على ظاهرة تغيير المناخ أو تمسّ بمساعي الحفاظ على الكرة الأرضية". اتفاقية "تيسا"، من النزر اليسير المعروف عنها، لا تتقدّم في الاتجاه الصحيح.

الوقت يدهمنا!

الانتصار المجلجل لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، خلق وضعًا من عدم اليقين في أوساط المفاوضين في جنيف، الذين خطّطوا لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية حتى نهاية السنة الحالية. كما تمّ إلغاء مؤتمر للوزراء كان معيّنًا في المدينة في كانون أول (ديسمبر) المقبل. من جملة الأسباب التي قادت لانتخاب ترامب، كما بات معروفًا، هي معارضة اتفاقات التجارة الدولية التي يحمّلها قسم كبير من الجمهور الامريكي المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي يعانونها. وقد دخلت جنيف إلى حالة من الترقّب حتى تتبيّن مواقف الرئيس الجديد على أرض الواقع.  

أما لدينا، فمن المتوقّع انعقاد اللجنة الاقتصادية في 30 تشرين ثان (نوفمبر) أي بعد أيام قليلة، لإجراء بحث أوّلي بالنسبة للجزء الخاص بإسرائيل في المفاوضات السريّة. في الأسابيع القادمة ستنحسم أمور مصيرية. وفي حين كانت أصوات الشركات المتعدّدة الجنسية مسموعة جيّدًا داخل الغرفة المغلقة، جاء الآن دور الجمهور أن يُسمِع صوته خارجها.

لقد تمّ توجيه عدة أسئلة تفصيلية لوزارة الاقتصاد بشأن الاتفاقية وأبعادها، ولكن الوزارة اكتفت بالإجابة المقتضبة التالية: "برنامج العمل الحالي هو إنهاء المفاوضات حول الاتفاقية حتى نهاية السنة الحالية. أما بشأن مضمون الاتفاقية فليس بمقدورنا الردّ على الأسئلة التفصيلية أو الخوض في أية تفاصيل حول البنود المذكورة. يجدر التوضيح بأن الاتفاقية تعكس مستوى اللبرلة القائمة في الاقتصاد الإسرائيلي وليست فيها مطالبات بخصخصة الخدمات. كما أن تسوية النزاعات ستتم من خلال منظومة دولية".

تمّ إعداد هذه المقالة من قبل صندوق التحقيقات، وهي المنظّمة الأم للإعلام المستقل في إسرائيل. ينضوي تحت صندوق التحقيقات كل من الجهات التالية: مئة يوم من الشفافية، هعاين هشبيعيت (العين السابعة)، الاقتصاد الحقيقي، العدالة الاجتماعية-غرفة العمليات، "هماكوم هخي حام بجهنوم" (الموقع الأكثر سخونة في جهنم)، و"هحيبور" (الإنشاء-الرابط).

تأليف: عيران هلدسهايم (الاقتصاد الحقيقي). تحرير: شوكي تاوسيج (العين السابعة). صندوق التحقيقات مموّل من تبرّعات الجمهور.   

تمّ إعداد هذه المقالة من قبل صندوق التحقيقات، تأليف: عيران هلدسهايم (الاقتصاد الحقيقي).



 

وقعوا مؤخرًا

  • יחיאל
  • מיכאל
  • רותי
  • ד״ר
  • יוחנן
  • נירית
  • כנרת
  • מנחם
  • אלה
  • אגמי
  • תמיר
  • אלה
  • איבט
  • מרים
  • אריה
  • אסף
  • מיכל
  • רחל
  • Yael
  • Ohad
  • אורן
  • דוד
  • אמנון
  • גיא
  • ליאור
  • עמית
  • Sivan
  • ורדית
  • יוסף
  • שם
  • איריס
  • דייב
  • Haim
  • סמרה
  • נעם
  • מתנה
  • מירי
  • נעמי
  • אפרת
  • שחר
  • חוה
  • Alex
  • שי
  • יאן
  • יואלה
  • איל
  • חלי
  • דניאל
  • מירב
  • אורלי

انضمّوا الآن

حضرة وزير الاقتصاد موشي كحلون، 


تناقش الحكومات مستقبلها جميعًا في سرية تامة- نحن المجتمع، المنظمات وحتى البرلمان خارج المعادلة. اننا نطالب: أوقفوا اتفاقية "تيسا" الآن!

على اتفاقيات التجارة ان تكون عادلة ومنصفة وتدفع مصالح المواطنين قدمًا، وليس مصالح الشركات الكبرى.